ابن الفارض
11
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
بالبراهين العقلية والدلائل النقلية الذين استعلوا أقاضيه بسلال الأنظار واقتصّوا ، وأيّده بأجاييد الأفكار مستدلّين بالأثر على المؤثر ، وبالصور على المصوّر ، ما كشفت لهم فريدة هذا المطلوب عن وجهه فضلة القناع ، ولا أغارت لهم الطرق للتعذّر ، والامتناع المفرد بكمال التوحيد الإنساني كأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم انصبّت إلى بحر قلبه أولا : أودية العلوم من سماء الذات حتى إذا زخر فتموّج امتدّت منه أنهار عرفان جارية في جداول قلوب أمّته وسواقه ، فهو مهمّ من [ 5 / ق ] الصحابة والتابعين والمشايخ - رضوان اللّه عليهم أجمعين - الأعلى فالأعلى بسبب الاتّصال والصحبة ، وبسبب طهارة القلوب وزكاء النفوس ، وهذا العلم هو الذي يرثه العلماء من الأنبياء بعد تحقّق نسبة القرابة المعنوية المورثة بتأكيد عقد المحبة وإحكام رابطة الصحبة ، وترك نطفة العناية من صلب الولاية ، وعلوقها في مشيمة الإرادة ، وظهور جبين السعادة . وغير هذا من العلوم التعليمية المكتسبة بالتفكّر والتدبّر ليس من علوم الوراثة ، بل هو من علوم الدراية ، ووارث علم التوحيد من أمّة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعضهم صحاة مبلغون بقوّة الحال موائد النوال ، وينزفون بشدّة العطش وكمال التمكين لإثبات صفوة اليقين ، وما يزدادون بالشرب إلا الصحو ، وبالإثبات إلا المحو ، فإذا هم بيت سرّ من أسرار التوحيد لقوّة في قماط الاحتياط ، وخلق في لباس الالتباس ، وشدق بحرام الحزم ، وزمق بحطام العلم ، وبعضهم سكارى حيارى ، مغلوبون بالبليات ، مسلوبون بالغلبات ، لا ينالون الظاهر أكثر مبالاة أطلق في ميدان البسط بحنانهم ، وفي إفشاء السرّ لسنانهم ، فلو كشفوا سرّا غفروا ، وإن هتكوا سرّا أعذروا ، والشيخ العالم العارف المحقّق شرف الدين أبو حفص عمر بن علي السعدي ، المعروف بابن الفارض المصري قدّس اللّه سرّه وأعلا ذكره كان في البطانة من هذا الطريق العريق ، كما قال : ( إلى كم وأرخى الستر ها قد هتكته ) ، فجملة وجوب التحدّث بالنّعم الإلهيّة ، بل غلبات حال السكر على كشف كثير مما كشف له من أسرار الوحدة وأستار العزّة في قصيدة الغرّ ، والمسمّاة بنظم الدرّ ، فجلى من وراء ستر الغرّة مخدرات وأبكارا من المعاني بالوجوه الغرّ ، عذارى [ 6 / ق ] لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * ( 75 ) [ الرّحمن : الآيتان 74 ، 75 ] ، جرد مفتخرات بفضل اللّثام حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 ) [ الرّحمن : الآية 72 ] ، أعجز بنظمها المفلقين من مصانع البلغاء ، ومقاول الفصحاء عن الإتيان بمثالها ، وأعجب بحسنها الناظرين من أباطين الكشف والعيان وسلاطين المعاني والبنيان ، فاعترفوا بكمال جمالها .